شنغهاي – عدن TV
إبراهيم الظهره – قاعدة باوشان
بعناية، اختار منظمو زيارتنا لخط الدلفنة الساخنة اللونَ الأخضر لممرّنا، تذكيرًا بالبيئة التي يوليها مصنع “باوستيل” للحديد والصلب اهتمامًا كبيرًا. وعلى وقع أصوات دلفنة الصلب، راح مرافقنا يشرح مراحلها، والآلات التي تعمل بانتظام لتساعد الصين على البناء والتنمية.
وعند مدخل الخط، تنتصب لفافة فولاذية ضخمة على قاعدة من الحجر الأحمر. تؤرّخ لوحتها لأول لفافة خرجت من خط “2050” عام 1989. لم تكن تلك اللفافة مجرد منتج صناعي، بل شهادة ميلاد لمرحلة كاملة من تاريخ الصين الحديث.
باوسيل: ابن الإصلاح والانفتاح
في 23 ديسمبر 1978، أُقيم حفل وضع حجر الأساس لمصنع باوشان للحديد والصلب، في حي باوشان شمالي شنغهاي، على ضفة مصب نهر اليانغتسي. ويُعدّ المصنع أحد الرموز البارزة لسياسة الإصلاح والانفتاح في الصين، وكانت طاقته التصميمية 6 ملايين طن من الصلب ومثلها من الحديد سنويًا. وبلغ اهتمام الدولة بالمشروع، بحسب مرافقينا، حدَّ أن خصصت له 30 مليار يوان من ميزانية لم تتجاوز حينها 80 مليارًا، في رهان كبير لبلد يخطو خطواته الأولى نحو التحديث.
دنغ شياو بينغ.. “ابنوا للصين مصنعًا كهذا”
ارتبطت ولادة “باوستيل” باسم مهندس الإصلاح والانفتاح، الزعيم دنغ شياو بينغ. ففي أكتوبر 1978، زار دنغ اليابان وتجوّل في أحد مصانع شركة “نيبون ستيل”، فصُدم بمستوى التحديث في صناعة الصلب اليابانية وبالفجوة الاقتصادية بين البلدين. وقال يومها: «على هذا النموذج، ابنوا للصين مصنعًا للصلب»، فتسارعت خطوات بناء المشروع.
ولم يكن الطريق ممهدًا. ففي المراحل الأولى للبناء، ثار جدل واسع حول جدوى المشروع وما إذا كان ينبغي إيقافه، لكن دنغ تمسّك بدعمه وأصرّ على المضي فيه، ثم دعم لاحقًا تسريع المرحلة الثانية من البناء.
وتروي دليلتنا في المتحف أن الشركة ابتعثت بين عامي 1978 و1985 نحو 3000 كادر للدراسة والتدريب في الخارج، في شراكة مبكرة لنقل المعرفة وبناء الخبرة الوطنية. وفي عام 1984، زار دنغ المصنع، وكتب للعاملين فيه عبارته الشهيرة: «لإتقان التكنولوجيا الجديدة، يجب أن نُحسن التعلّم، والأهم أن نُحسن الابتكار». وقد غدت هذه الكلمات شعارًا يرافق مسيرة الشركة حتى اليوم.
من الفرن إلى اللفافة
داخل خط الدلفنة الساخنة العريض “2050”، أول خط من نوعه في الصين، تتدفق ألواح الصلب المتوهجة بين البكرات العملاقة. تضيق شيئًا فشيئًا حتى تلتف لفائف جاهزة للشحن. وينتج هذا الخط وحده 6 ملايين طن سنويًا، أي ما يعادل الطاقة التي صُمّم المجمع كله لإنتاجها عند تأسيسه.
وحين سألتُ مرافقنا إن كانت أجزاء هذه الآلات من صنع المجمع، أجاب بأن بعضها يأتي من مصانع شريكة، لكنها تُصنع وفق مواصفات “باوستيل” ومعاييره.

ذاكرة في أول مبنى إداري
في أول مبنى إداري للشركة، يقع متحف يروي الحكاية منذ بداياتها. تتوالى فيه الصور والوثائق والمجسّمات التي ترصد تطور المجمع من مشروع مثير للجدل إلى عملاق صناعي.
ومن بين المعروضات، يستوقفك حجران من خام الحديد: أحدهما مستورد يميل إلى الأحمر البني، والآخر محلي أسود اللون. وتوضح دليلتنا أن نسبة الحديد في المستورد تبلغ نحو 60%، مقابل 40% في المحلي. وهنا يكمن سرّ اختيار موقع المجمع على مصب اليانغتسي؛ فقد سارت الصين على خطى التجربة اليابانية التي بنت صناعة صلب حديثة بالاعتماد على الخام المستورد عالي الجودة.
العمل يتصاعد بوتيرة عالية، خططت “باوستيل” لإنتاج 52.61 مليون طن من الصلب و48.79 مليون طن من حديد الخام عام 2025، وحققت عام 2024 رقمًا قياسيًا في صادراتها بلغ 6.07 مليون طن.
تنتمي الشركة إلى مجموعة “تشاينا باوو” للحديد والصلب، الشركة الأم تُصنَّف ضمن أكبر 500 شركة في العالم. وقد حافظت المجموعة على موقعها أكبرَ منتج للصلب في العالم عام 2025، بإنتاج بلغ 124.76 مليون طن من الصلب الخام، فيما جاءت “أرسيلور ميتال” ثانية بـ63.43 مليون طن، أي أقل من نصف إنتاج “باوو”.
أيائل تحت برج المياه
المفاجأة الحقيقية تنتظر الزائر خارج المصانع. المفاجأة أن كل المساحات الخضراء التي يتوسطها المصنع تعد حديقة المجمع الأساسية.. حديقة واسعة، ترعى قطعان الأيائل المرقّطة بهدوء على العشب، ويسمّيها الصينيون “أيل زهرة البرقوق” لبقعها البيضاء التي تشبه أزهار البرقوق. ويقف الطاووس على صخرة كأنه يحرس المكان. وغير بعيد، يرتفع برج مياه زُيّن برسم أيل يقفز نحو السماء.
ويوضح مرافقونا أن الحديقة تضم حيوانات وطيورًا حساسة لملوثات البيئة، منها 102 من الطيور. ولهذا يُعدّ وجودها هنا مؤشرًا حيًّا على نقاء المحيط، ومختبرًا مفتوحًا للسياسات البيئية التي تتبناها الصين على نطاق واسع.
ثلاثة ألوان لمصنع واحد

لا يقدّم “باوستيل” نفسه قاعدةً لإنتاج الحديد والصلب فحسب، بل مصنعًا على طراز الحدائق الحديثة. ويعرض هويته عبر ثلاثة أبعاد: الذاكرة الحمراء التي تحفظ تاريخ التأسيس، والتصنيع الذكي الأزرق الذي يجسّد التكنولوجيا الحديثة، والبيئة الخضراء التي تعكس التعايش مع الطبيعة. وقد صاغ المجمع ذلك في منظومة للسياحة الصناعية تقوم على “ثلاثة أجنحة، وأربعة ممرات، وخمسة مشاهد، وست زوايا للمشاهدة”.
“باوسيل” يبني معالم الصين
من هذه الخطوط خرج الصلب الذي شُيّد به عدد من أبرز المشاريع الصينية، مثل استاد “عش الطائر” في بكين، وجسر هونغ كونغ – تشوهاي – ماكاو.
وهكذا تبدو وصية دنغ شياو بينغ حاضرة في كل زاوية من المجمع: تعلّمٌ بدأ من مصنع ياباني قبل نحو نصف قرن، وابتكارٌ جعل الصلب ينمو اليوم إلى جوار أيلٍ يرعى وطاووسٍ يقف على صخرة.

