عدن – عدن TV
أكد استاذ الاعلام بجامعة صنعاء الاستاذ الدكتور وديع العزعزي، ان قيمة ثورة ٢٦ سبتمبر لا تُقاس فقط بما أسقطته في لحظة اندلاعها، وإنما بما فتحته من إمكانات أمام اليمنيين في العقود التالية، ونقلت لبلاد تدريجيًا من بنية سياسية واجتماعية مغلقة إلى فضاء أوسع للدولة الحديثة، والتعليم العام، والإدارة، والجيش، والإعلام، والثقافة، والعلاقات مع العالم.
وقال الدكتور العزعزي في حديث لوكالة الانباء اليمنية (سبأ) بمناسبة العيد الوطني الـ٦٤ لثورة الـ ٢٦ من سبتمبر المجيدة :” ان ثورة 26 سبتمبر ليست مجرد حدث في كتاب التاريخ، ولا مناسبة وطنية تتكرر ذكراها كل عام؛ إنها لحظة فاصلة أعادت تعريف علاقة اليمن بالحكم والدولة والمجتمع، ووضعت نهاية لحكم الإمامة في شمال اليمن، وفتحت الطريق أمام الجمهورية بوصفها مشروعًا يقوم، من حيث المبدأ، على فكرة الدولة والمواطنة، بدلًا من احتكار السلطة داخل نظام يقوم على السلالة والحق السياسي الموروث”.
واضاف:” كان التحول الأهم الذي حملته ثورة ٢٦ سبتمبر هو الانتقال من شرعية الحكم الإمامي إلى شرعية الجمهورية، وصحيح أن التجربة الجمهورية نفسها لم تحقق كل ما وعدت به، وظلت مؤسسات الدولة عرضة للضعف والصراع والتغول الشخصي والسياسي، لكن ذلك لا يلغي الفارق بين الفكرة الجمهورية من حيث أساسها النظري، وبين نظام يقوم على حق سياسي موروث”.
واستطرد:”هنا ينبغي أن نكون منصفين في قراءة التاريخ: الجمهورية لم تتحول منذ اليوم الأول إلى دولة مكتملة المؤسسات، بل مرت بصراعات وحرب أهلية وتدخلات إقليمية ودولية، واستغرق بناء مؤسساتها عقودًا، لكن الاتجاه التاريخي الذي فتحته الثورة كان واضحًا: الحكم لم يعد حقًا سياسيًا مغلقًا على سلالة، بل أصبح، من حيث المبدأ، شأنًا عامًا مرتبطًا بالدولة والمواطنة”.
واشار استاذ الاعلام بجامعة صنعاء، الى انه لا يمكن فهم أثر الثورة من خلال السياسة وحدها..مؤكداً ان اليمن شهد بعد قيام الجمهورية توسعاً تدريجياً في التعليم العام، وظهور مؤسسات وخدمات صحية وإدارية، واتساع حضور الصحافة والإذاعة والفنون والحياة الثقافية، ونمو مؤسسات الدولة الحديثة.
ولفت الدكتور العزعزي، الى انه لم تكن هذه التحولات مكتملة، ولم تصل إلى جميع اليمنيين بالمستوى نفسه، كما ظلت مشكلات الفقر والأمية وضعف البنية التحتية حاضرة بقوة، لكن المقارنة التاريخية تظل مهمة..مؤكداً ان المجال الذي فتحته الجمهورية أمام التعليم العام والثقافة والإدارة الحديثة كان مختلفاً جذرياً عن بنية المجتمع والدولة في عهد الإمامة.
واوضح إن الدفاع عن الثورة لا ينبغي أن يعني تجاهل إخفاقات الجمهورية، بل بالعكس، فإن الاعتراف بهذه الإخفاقات هو الذي يجعل الدفاع عن فكرتها أكثر صدقاً؛ لأن الجمهورية شيء، وأداء الأنظمة التي حكمت باسمها شيء آخر.
ونوه ان المشروع الجمهوري، في أساسه الدستوري والسياسي، يقوم على مبدأ المواطنة والمساواة ومرجعية الدولة والمؤسسات، وعلى أن شرعية الحكم لا تُستمد من النسب أو الاصطفاء الديني، وإنما من الإرادة السياسية العامة والمؤسسات التي تنظم انتقال السلطة.مشيراً الى ان الحوثيون قدّموا في خطابهم السياسي والديني تصوراً مختلفاً لمصدر الشرعية السياسية، كما ارتبط خطابهم بمفاهيم دينية وتاريخية تتصل بالولاية والحق في القيادة، وهو ما جعل العلاقة بينهم وبين الفكرة الجمهورية موضع صراع يتجاوز التنافس السياسي المعتاد.
وقال الدكتور وديع العزعزي “لا ينبغي أن يتحول هذا النقاش إلى شعارات؛ فالمقارنة الجادة تحتاج إلى قراءة النصوص والخطب والمناهج والممارسات السياسية، لا إلى إطلاق الأحكام، لكن ما حدث في مناطق سيطرة الحوثيين من تغييرات في بعض المناهج، شملت حذف دروس مرتبطة بثورة 26 سبتمبر، واستبدال بعض الشخصيات والموضوعات الجمهورية بمواد مرتبطة بتاريخ الأئمة والحوثيين، يقدم مؤشراً مهماً على أن الصراع لا يدور حول السلطة وحدها، وإنما يمتد أيضاً إلى من يملك حق تشكيل الذاكرة الوطنية وتعريف معنى الجمهورية في وعي الأجيال”.
واضاف “حين يشعر المجتمع بأن نظامًا سياسيًا يسعى إلى إعادة إنتاج أنماط من الحكم تتعارض مع فكرة المواطنة المتساوية، تستعيد الثورة معناها من جديد، ولهذا لم تعد ذكرى 26 سبتمبر، بالنسبة إلى كثير من اليمنيين، مجرد احتفال بتاريخ مضى، بل أصبحت تذكيرًا بفكرة الدولة التي يرون أنها مهددة”.
وذكر الدكتور العزعزي، بأن السنوات الاخيرة كشفت أن المنجزات التاريخية ليست محصنة إلى الأبد، فما يُهمل في الوعي يمكن أن يتراجع في الواقع، وما لا تدافع عنه الأجيال معرفيًا قد يصبح عرضة لإعادة التفسير والتأويل.
وخاطب استاذ الاعلام الاجيال الجديدة بالقول :”الجمهورية لم تكن هدية وصلت إلينا مكتملة، وإنما كانت تحولاً تاريخياً دفع اليمنيون ثمنه غالياً، ثم ظلت مهمة بناء الدولة واستكمال مؤسساتها مفتوحة أمام كل جيل”.
وفيما يتعلق بمسؤولية الإعلام والتعليم بصورة خاصة، اكد الدكتور وديع العزعزي، ان جزء من الجيل الجديد ينظر إلى الجمهورية من خلال تجربته اليومية معها: حرب، وانقسام، وفقر، وضعف مؤسسات، وفساد، وأزمات متلاحقة، وإذا اكتفى الخطاب الجمهوري بتمجيد الماضي، من دون الاعتراف بأخطاء التجربة ومشكلاتها، فمن الطبيعي أن يسأل هذا الجيل: ماذا قدمت لي الجمهورية؟ وهذا السؤال لا ينبغي الهروب منه، بل ينبغي مواجهته.
واشار الى ان الطريقة الصحيحة للدفاع عن الجمهورية ليست أن نطلب من الشاب أن يحبها لأنها ثورة تاريخية فحسب، بل أن نشرح له ماذا تعني المواطنة المتساوية، ولماذا تحتاج الدولة إلى مؤسسات، ولماذا لا ينبغي أن يرتبط حق الإنسان في الحكم أو الوظيفة أو الكرامة بأصله أو نسبه أو انتمائه.
وقال “في المقابل، تشير تقارير ودراسات إلى تغييرات في المناهج التعليمية والأنشطة المدرسية والثقافية في مناطق سيطرة الحوثيين، وإلى توظيف بعض هذه المسارات في تقديم سردية أيديولوجية وإعادة تشكيل الوعي لدى الأطفال واليافعين، وهنا لا تكفي البيانات الرسمية أو الخطاب الاحتفالي، والمطلوب إعلام يعرف كيف يخاطب الجيل الجديد بلغته، عبر المنصات التي يستخدمها، وبمحتوى يجيب عن أسئلته الحقيقية، لا أن يعيد عليه الخطاب الذي كان مناسبًا لجيل سابق”.
وشدد العزعزي، الى ضرورة تبني برامج إعلامية موجهة للشباب واليافعين، وإلى محتوى رقمي جذاب، وإلى تعليم تاريخي يقدّم الوقائع كما هي، بما فيها نجاحات التجربة الجمهورية وإخفاقاتها، والأهم أن نخاطب عقل الشاب لا عاطفته وحدها، وأن نمنحه القدرة على المقارنة والحكم، بدلًا من أن نطلب منه أن يكرر ما نقوله.
واكد ان المعركة على الجمهورية اليوم ليست عسكرية فقط، وهناك معركة أخرى تجري في المدرسة، والجامعة، والكتاب، والشاشة، والهاتف، والذاكرة، ومن يخسر معركة الوعي قد يكتشف، بعد سنوات، أن خسارة الأرض لم تكن أخطر ما خسره.
