الرياض – عدن TV
كشفت دراسة علمية حديثة بعنوان “أثر استعمال الوحدات المعجمية في تشكيل الأطر الذهنية الخطاب السياسي اليمني نموذجًا” أن اللغة في المجال السياسي لا تعمل وسيطًا محايدًا لنقل الوقائع، بل تؤدي دورًا محوريًا في بناء الإدراك العام وتوجيهه. فالمفردات لا تكتفي بوصف الحدث، بل تنشِّط في ذهن المتلقي أطرًا تفسيرية تقوده إلى تبنِّي مواقف محددة قبل أن ينتبه إلى كيفية تشكُّلها.
أنجز الدراسة الباحث سامي محمد نعمان، الباحث اليمني المقيم في الرياض، ونال بها درجة الدكتوراه من قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة الملك سعود. وتنطلق من فرضية مفادها أن الاختيار المعجمي هو في جوهره اختيار إدراكي؛ فاستدعاء لفظ بعينه يعني استدعاء الإطار الذهني المرتبط به، وبذلك لا تعكس اللغة الواقع فحسب، بل تعيد بناءه في الذهن.
وهدفت الدراسة إلى بناء نموذج تحليلي يفسر آلية هذا التأثير، متجاوزة الوصف السطحي للخطاب إلى الكشف عن البنى العميقة المنتجة للمعنى والموجِّهة للتأويل والإقناع. وترى أن أي تحليل لا يستند إلى فهم طبيعة الأطر الذهنية يظل قاصرًا عن إدراك ما يحدث فعليًا في وعي المتلقين.
منهجيًا، اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، ووظّفت مدخل تحليل الأطر الذهنية، مستعينةً بتحليل الخطاب النقدي والتحليل السيميائي في بعديهما الثقافي والاجتماعي كلما اقتضى التحليل ذلك. وركزت على تتبع الكيفية التي تسهم بها الوحدات المعجمية في بناء الأطر أو تعديلها أو إعادة تشكيلها لدى الجمهور.
واختيرت مجموعة من المفردات ذات الفاعلية الإدراكية العالية، لا لمجرد شيوعها، بل لقدرتها على إنتاج التمثلات وصياغة الاصطفافات ومنح الشرعية أو نزعها، مع تمثيلها لخطابات فاعلين سياسيين متباينين.
ويشير الباحث إلى أن التسمية في الخطاب السياسي فعل تأطيري بامتياز؛ فالواقعة الواحدة يمكن عرضها ضمن أكثر من إطار، وكل إطار يوجه الوعي في اتجاه مختلف. ومن هنا يصبح الصراع على المفردة جزءًا من الصراع على الإدراك ذاته. فهل هي مظاهرات أم أحداث شغب؟ ثورة أم فتنة أم أزمة؟ زعيم أم مخلوع؟ ساحة تغيير أم ساحة تغرير؟ إن الأمر ليس اختلافًا لغويًا فحسب، بل اختلاف في العدسة الإدراكية التي يُطلب من الجمهور النظر من خلالها.
وتبيّن الدراسة أن الوحدات المشحونة أيديولوجيًا وثقافيًا ترتبط بذاكرة جمعية وصور راسخة، ما يمنحها قدرة تعبئة عالية. ومع التكرار، تتحول هذه الأطر إلى مسلَّمات تبدو كأنها حقائق طبيعية.
ومن أبرز الأمثلة التي حللتها الدراسة التباين بين مصطلحي «الانفصال» و«فك الارتباط». فالأول يستدعي إطار الكيان الواحد الذي يُمزَّق، بما يحمله من إيحاءات سلبية تتصل بالتجزئة وتهديد الوحدة.
أما الثاني فيستحضر تصورًا يقوم على استعادة وضع سابق، فيمنح الفعل معنى أقرب إلى التحرر أو التصحيح التاريخي. الحدث واحد، لكن الأثر الإدراكي مختلف جذريًا. فخطاب «فك الارتباط» ينسجم مع سرديات الاستقلال والسيادة، بينما يرسّخ خطاب «الانفصال» معنى الخروج على الكيان الجامع.
كما لاحظت الدراسة أن بعض الفاعلين السياسيين قد يستعملون مصطلحات لا تنسجم مع مواقعهم الأيديولوجية المفترضة داخل الصراع، ما يكشف عن ضعف في الوعي بطبيعة التأطير، وعدم إدراك كافٍ لما تحمله المفردة من افتراضات مسبقة توجه فهم الجمهور.
وتؤكد النتائج أن ما يُبنى في الذهن لا يبقى حبيس اللغة، بل يترجم إلى ممارسات في الواقع؛ فتبني إطار معين يقود إلى أنماط محددة من الفعل والقرارات، سواء في صورة دعم سياسي أو احتجاج أو تعبئة جماهيرية. وهكذا تغدو اللغة عنصرًا فاعلًا في صناعة الواقع الاجتماعي، لا مجرد وسيلة لوصفه.
وتقترح الدراسة تمييزًا بين مستويات متعددة من الأطر: الأطر الذهنية الإدراكية التي تنتج التصورات، والأطر الدلالية التي تحدد الأدوار داخل الحدث، والأطر التواصلية التي توجه نوع الاستجابة المطلوبة. وتؤكد ضرورة التفريق بين الأطر الذهنية والأيديولوجيا؛ فالأطر عمليات إدراكية غير واعية تتصل بآليات الفهم والتصنيف، بينما تشير الأيديولوجيا إلى منظومات القيم والمعتقدات التي تؤثر في اختيار الأطر وتوجيهها. العلاقة بينهما تأثير متبادل لا تطابق.
وتخلص الدراسة إلى أن الخطاب هو المجال الذي تُصاغ فيه الأفكار وتُعاد صياغتها؛ فالاختيارات اللغوية تكشف مواقع المتكلمين، وتسهم في إعادة إنتاج أنماط الرؤية إلى العالم. ومن هنا تدعو إلى تنمية وعي نقدي لدى الجمهور، يجعل المتلقي منتبهًا إلى أن ما يبدو وصفًا قد يكون توجيهًا.
وفي إطارها النظري، تؤكد الدراسة سعيها إلى إعادة الاعتبار للمعنى بوصفه عنصرًا مركزيًا في تفسير الظواهر اللغوية، بعد أن تراجع حضوره في بعض الاتجاهات اللسانية التي انشغلت بالبنية الشكلية على حساب سؤال الدلالة.
وتشير إلى أن بعض المقاربات البنيوية، سواء المرتبطة بفكر فرديناند دي سوسير أو بامتداداته التوزيعية كما عند ليونارد بلومفيلد، دفعت التحليل اللغوي نحو تتبع العلاقات الداخلية للنظام، مع إرجاء السؤال المتعلق بكيفية إنتاج المعنى وتأثيره في تشكيل الوعي. ومن ثم تضع الدراسة نفسها ضمن توجه يعيد وصل اللغة بالإدراك، ويرى أن فهم الخطاب لا يكتمل دون الكشف عن البنى الذهنية التي تستدعيها المفردات، وكيف تتحول هذه البنى إلى تصورات راسخة توجه الفهم والحكم والسلوك.
