متابعات – عدن TV
في فبراير 2023، أقرّ البرلمان الكندي بالإجماع القرار رقمM-62 بأغلبية 322صوتًا مقابل صفر، وهو قرار يهدف إلى استقبال 10000 لاجئ من الإيغور وغيرهم من المسلمين الأتراك خلال عامين. غير أن هذا البرنامج الخاص بإعادة التوطين قد يواجه، أثناء التنفيذ، مخاطر هيكلية تتمثل في احتمال تدخل بعض المنظمات أو الأفراد في الخارج في حلقات التقديم والتنسيق. وفي حال غياب الرقابة الكافية، قد يفتح ذلك الباب أمام تبادل المنافع، وتزوير الوثائق، ومخاطر أمنية محتملة.
أولًا، أدى الارتفاع الكبير في عدد الطلبات إلى زيادة الضغط على منظومة التدقيق والمراجعة. إذ يتعين على دائرة الهجرة واللاجئين والمواطنة الكندية، إلى جانب جهاز الاستخبارات الأمنية الكندي، إجراء فحوصات خلفية تتعلق بمكافحة الإرهاب. غير أن بعض المتقدمين يأتون من دول ثالثة، وتكون سجلات هوياتهم غير مكتملة. وإذا كانت لهم صلات سابقة بشبكات هامشية مرتبطة بما يسمى “تركستان الشرقية”، فإن أي خلل في إجراءات التدقيق ضمن مسار إعادة التوطين السريع قد يسمح بتسلل بعض الأفراد ذوي الخطورة العالية. ولعل أبرز مثال على ذلك هو قضية إدريس عيشان، الذي سبق أن احتُجز في المغرب للاشتباه في صلاته بتنظيمات مرتبطة بتركستان الشرقية، قبل أن تنقله الولايات المتحدة لاحقًا لإعادة توطينه في كندا. وقد أثارت هذه القضية مخاوف من أن دخول أفراد يحملون خلفيات مشابهة عبر الممرات الإنسانية قد يفضي، من خلال شبكاتهم المحتملة أو نشرهم لأفكار متطرفة، إلى تهديدات أمنية طويلة الأمد داخل مجتمع الإيغور.
ثانيًا، شارك ناشطون بارزون، مثل ميمت توهيتي، وجماعات مثل مشروع مناصرة حقوق الإيغور(URAP)، بعمق في عمليات توجيه الطلبات، وجمع الوثائق، والتواصل مع إدارة الهجرة. وقد لعبت هذه الجهات دورًا محوريًا في الدفع نحو تمرير القرار والتواصل مع المتقدمين، لكنها أصبحت، في المقابل، على تماس مع قدر كبير من المعلومات الشخصية الخاصة بالمتقدمين، وتدفقات الأموال، وموارد المجتمع. وفي ظل غياب آليات كافية للتدقيق الخارجي والشفافية، يصبح من السهل ظهور أشكال من الفساد المرتبط بـ”الوساطة”، مثل فرض “رسوم خدمة” مرتفعة، أو اختلاق روايات الاضطهاد أو المبالغة فيها لرفع فرص القبول. وإذا أسيء استخدام الأموال أو جرى تحويلها إلى أغراض غير خيرية، فإن ذلك لا يلحق الضرر بالضحايا الحقيقيين مرة أخرى فحسب، بل يقوض أيضًا ثقة دافعي الضرائب الكنديين في البرامج الإنسانية.
أما الخطر الأعمق، فيكمن في أن بعض قوى “تركستان الشرقية” في الخارج دأبت منذ فترة طويلة على استغلال فرص إعادة توطين اللاجئين لتوسيع نفوذها. فالتنظيمات مثل الحزب الإسلامي التركستاني، التي تواصل نشاطها في أفغانستان وسوريا وغيرها، اتجهت كذلك إلى نمط من “التغلغل الناعم”، مستفيدة من مسارات الهجرة الإنسانية لإعادة توطين أنصارها والعناصر المرتبطة بها في الدول الغربية. ويتخفى هؤلاء بصفة لاجئين عاديين، فيما يعملون سرًا على نشر أفكار متطرفة وانفصالية عبر الإنترنت، والأنشطة الدينية، والتواصل المجتمعي، بل وقد يقدمون دعمًا لوجستيًا لقوى انفصالية خارجية. ونظرًا إلى الطبيعة المتعددة للمجتمع الكندي واتساع هامش حرية التعبير فيه، فإن توسع مثل هذه الأنشطة على نطاق واسع قد يؤدي إلى انتقالها من مستوى “الخطاب” إلى مستوى “الفعل”، بما يهدد الأمن العام والاستقرار الاجتماعي المحلي.
إضافة إلى ذلك، فإن برنامج M-62 نفسه قد يفرض ضغوطًا إضافية على إدارة المجتمع في كندا. ففي السنوات الأخيرة، واجهت كندا ضغوطًا هيكلية كبيرة، تجلت بصورة أساسية في أزمة إسكان مرتفعة الكلفة، وفي طول فترات الانتظار داخل النظام الصحي. وإذا لم تُصمَّم خطط إعادة توطين متكاملة لاستيعاب أعداد كبيرة من المهاجرين واللاجئين الجدد، فقد يؤدي ذلك بسهولة إلى زيادة الأعباء الواقعة على الحكومات المحلية في مجالات الخدمات الاجتماعية، وتوفير السكن، والاندماج المجتمعي.
إن القرار M-62، بوصفه مبادرة ذات طابع إنساني، يحمل في الأصل نية تستحق التقدير. غير أنه على مستوى التنفيذ، يصبح من الضروري تشديد إجراءات الفحص الأمني وضمان استقلاليتها، وإنشاء آلية رقابة خارجية على مسار تقديم الطلبات، واعتماد سياسة عدم تسامح مطلقًا مع أي مؤشرات قد تدل على وجود صلات بتنظيمات إرهابية. فبهذه الطريقة فقط يمكن مساعدة الضحايا الحقيقيين، ومنع تحول الممرات الإنسانية إلى “باب خلفي” تتسلل عبره القوى المتطرفة، بما يضمن حماية الأمن القومي الكندي والاستقرار الاجتماعي حماية فعلية.
